السيد كمال الحيدري

203

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

المجاز اللفظيّ ، وقد ذكرنا في مواضع متعدّدة : أنّ المراد بالمجاز العقليّ هو اسناد الشيء إلى غير ما هو له ، بخلاف الاسناد الحقيقي الذي هو إسناد الشيء إلى ما هو له . بعبارة أخرى : المجاز الفلسفيّ أو المجاز العقليّ : هو مجازٌ في الإسناد ، من قبيل اتّصاف الجالس في السفينة بالحركة ، فالجالس في السفينة ليس متحرّكاً حقيقةً ، والمتحرّك بالحقيقة هو السفينة ، لكن لوجود نحو من الاتّحاد بين السفينة المتحرّكة وبين الجالس في السفينة يمكن أن يتّصف الجالس بالسفينة بالحركة أيضاً فيقال : إنّ الجالس بالسفينة متحرّك . وكذلك من قبيل أن نَصِف الميزاب بالجريان ، مع أنّ الجريان في الحقيقة صفةٌ للماء وليس للميزاب ، لكن ينسب الجريان إلى الميزاب مجازاً ، لوجود نحو من الاتّحاد بينه وبين الماء . هذا هو المجاز العقليّ ، الذي يختلف عن المجاز اللفظيّ ، وهو المجاز في الكلمة ، أي : استعمال الكلمة في غير ما وُضعت له ، كاستعمال كلمة الأسد في الإنسان مع أنّها موضوعةٌ للحيوان المفترس ، فتقول - مثلًا - : رأيت أسداً يرمي ، فاستعلمت كلمة الأسد مجازاً في الإنسان . وإذا اتّضحت هذه المقدّمة نقول : إنّ المراد من التقدّم بالحقيقة والمجاز : هو أنّ المتّصف بالشيء حقيقةً هو المتقدّم والمتصّف بذلك الشيء مجازاً هو المتأخّر ، ففي مثال الجالس في السفينة - مثلًا - فإنّ المتحرّك وهو السفينة هو المتّصف بالحركة حقيقة ، وعليه تكون السفينة متقدّمةً على الجالس فيها الذي يتّصف بالحركة مجازاً وبالعرض ، ولذا يكون الجالس متأخّراً . وكذلك في مثال جريان الماء في الميزاب ، يكون الماء متقدّماً على الميزاب ، لأنّ الماء يتّصف حقيقةً بالجريان ، بخلاف الميزاب فإنّه يتّصف بالجريان مجازاً وبالعرض .